بقلم سارة ليا ويتسن

منذ ما يقرب من سبع سنوات مضت، جلستُ في غرفة اجتماعاتٍ صغيرةٍ في فندق في القاهرة، أجمع شهاداتِ شهودٍ حول المذابح التي حدثت في 14 آب 2013، عندما قتلت قوات الأمن والجيش المصرية عمداً ما لا يقل عن 1000 متظاهر في وضح النهار. كان من بين أولئك الشهود امرأةٌ شاحبةُ الوجه، ترتدي حجاباً تتدلى منه خصلات من شعرها. استطاعت بالكاد أن تهمس بكلماتٍ ما ذاقته من أسيّة. أفادت بأنّها كانت تعمل كممرضة، وأنها كانت واقفة بجانب امرأة مصابةٍ برصاصةٍ وجراحها تنزف. اقترب منها بعض الجنود، فطلبت المساعدة لنقل المرأة المصابة إلى المستشفى الميداني القريب. إلا أنهم، بدلاً من إسعاف المصابة، قتلوها رمياً بالرصاص، قائلين بسخريةٍ إن المساعدة لم تعد ضرورية. “أردت أن أخبرك بما حدث لي، لنا جميعاً، لأنني أريدكِ أن تخبري العالم بأسره بذلك. هل سنرى العدالة تتحقق يوما ما؟ ” سألت المرأة.

لقد سمعتُ ذلك السؤال مراتٍ عديدةً من ضحايا الانتهاكات الفظيعة التي ارتُكبت في الشرق الأوسط، ولكن إجابةَ ذلك السؤال نادراً ما تأتي بـ “نعم”. إذ لم يكن هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنّ ضحايا المجازر في ميداني رابعة والنهضة في مصر سيرون الجناة يعاقبون على ما فعلوه، على الرغم من الفظاعة غير المسبوقة التي ارتُكبت في ذلك اليوم. فلم يسبق للقوات الحكومية في مصر أن قتلت هذا العدد الكبير من المتظاهرين في يوم واحد. حيث كانت تلك ثاني أكبر مذبحة عالمياً بعد مذبحة ميدان تيانانمن في الصين.

وكان ما أبرز المذبحة التي حدثت في القاهرة، الطريقة التي خططت بها الحكومة بشكل منهجي ومتعمد لفض اعتصامات أكثر من 85000 شخصاً ممن تظاهروا ضد الانقلاب العسكري الذي جرى في 3 يوليو 2013، متوقعةً بذلك مقتل عدة آلاف آخرين. ولدى تحقيقنا الشامل في مرصد حقوق الإنسان، تبين لنا أن المذبحة الواسعة النطاق والممنهجة، والتي تم فيها استخدام الدبابات والجرافات والقناصة والقوات البرية، ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

لقد تعمدنا أشد التعمد في تقريرنا تسميةَ الجناة الذين كان لهم النصيب الأكبر من مسؤولية تنظيم وتنفيذ المجزرة: اللواء السيسي بالطبع، ولكن أيضاً وزير الداخلية محمد إبراهيم، وقائد القوات الخاصة وقائد عملية رابعة، مدحت المنشاوي، ورئيس مجلس الوزراء حازم البابلاوي. وقد كنا نأمل، في أحسن الأحوال، أن يفتح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تحقيقاً في هذه الجرائم، أو أن تقطع الولايات المتحدة مساعداتها للحكومة المصرية البالغة 1.6 مليار دولار.

للأسف، لم تتحقق حتى أهدافنا البسيطة. ففي حين استقال بعض المسؤولين الحكوميين المصريين احتجاجاً على المذبحة، مثل نائب الرئيس محمد البرادعي، تلقى قادة الانقلاب في المقابل دعماً بأكثر من 8 مليارات دولار من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. حتى إن إدارة أوباما سرعان ما عادت إلى العمل كالمعتاد، بعد توقف قصير في الدعم العسكري. وباتت نهاية الديمقراطية في مصر أمراً واقعاً. أمّا قوات الجيش والشرطة التي كانت من المفروض أن تُدان، فقد تم تكريمها بنصب تمثال في ميدان رابعة احتفاءً بدورها في المجزرة.

إلا أنّه، وفي هذا الشهر، تم إقامة دعوى قضائية جديدة أمام محكمة جزئية فيدرالية من قبل أحد ضحايا ميدان رابعة، وهو محمد سلطان. وهو ما أعطى جميع الناجين من المذبحة، إضافةً إلى نشطاء حقوق الإنسان مثلي، إحساساً غامراً بالأمل. حيث يلقي سلطان، الذي رُميَ بالرصاص في اعتصام رابعة وتم سجنه وتعذيبه لمدة 21 شهراً، اللوم على الببلاوي والسيسي ومسؤولين حكوميين آخرين للدور الذي لعبوه في المجزرة وفي تعذيبه. وتذكر الدعوى بشكل ملحوظ تقرير مرصد حقوق الإنسان كدليل على تورط الببلاوي في المذبحة.

ولا شكّ أن شبح ذكرى المجازر الدموية في ساحتي رابعة والنهضة مازال يطارد الضحايا والناجين الأبرياء. ولكن هل يطارد شبحها الجناة أيضاً، مثل الببلاوي، البالغ من العمر الآن 83 عاماً، والذي تعرقلت خططه في الحصول على نهاية سعيدة وفي العيش في ضواحي فيرجينيا الهادئة على حساب المجلس التنفيذي المرموق لصندوق النقد الدولي، وذلك بسبب دعوى قضائية مرفوعة ضده في المحكمة الفيدرالية الأمريكية؟ لقد أتيحت لي الفرصة مؤخراً لسؤال وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي عما إذا كان نادماً على بقائه في إدارة السيسي، وعمله على تبرير الانقلاب والمذبحة، وما إذا كان يخشى الآن أن تتم ملاحقته قضائياً. لقد كان من الجيد أن أراه متوتراً.

وليس من المستغرب أن تتدخل إدارة ترامب لتطلب من المحكمة الفيدرالية حماية بابلاوي. حيث قدم محامو ترامب تفسيراً غريباً لـ “الحصانة السيادية”، زاعمين أن وظيفة الببلاوي في البنك تجعله ممثلاً للحكومة المصرية وبالتالي محصناً ضد الدعاوى في الولايات المتحدة. وللأسف، فقد رأينا حكومتنا تحاول حماية المجرمين المصريين والإسرائيليين والسعوديين – على الرغم من الأضرار التي تسببوا بها للأمريكيين – ويصادف أن أولئك المجرمين المصريين والإسرائيليين والسعوديين هم أنفسهم حلفاء مقربون للإدارة.

في هذه القضية، حاولت الدولة العميلة لأمريكا في مصر أن تمارس الضغط على أمريكا، وانتقمت من دعوى سلطان القضائية باعتقال أبناء عمومه وعمه في القاهرة. كما هددت بخفض “التعاون الاستراتيجي” مع حكومتنا، بعد أن استلمت الأسبوع الماضي دفعة من 24 طائرة حربية من روسيا.

(أنا متأكدة من أنهم سيستمرون بسخاءٍ في قبول المليارات من المساعدات العسكرية الأمريكية على الرغم من ذلك). فالحقيقة التي يجب على كل مواطن أمريكي أن يتعامل معها هي أن أموال الضرائب، إلى جانب الغطاء الدبلوماسي والسياسي الذي توفره حكومتنا، قد لعبت دوراً كبيراً في استدامة وتمكين الحكومات الوحشية في الشرق الأوسط، بعضها خلف ستار الديمقراطية، وأخرى من الأنظمة الملكية المطلقة.

وفي هذه الأثناء، يمكننا أن نلتمس العزاء في احتمال أن تتيح محاكمنا وقوانيننا لضحايا الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان إمكانية اللجوء، وأن تتخذ بعض إجراءات المساءلة بحق من يرتكبون الفظائع ويتسترون عليها. وتؤكد القضايا المماثلة لقضية سلطان أهمية توفير سبيل لإنصاف الضحايا، إضافة إلى أهمية توثيق الأخطاء وتسمية الجناة.

ونحن في منظمة الديمقراطية من أجل العالم العربي (DAWN)، التي أسسها الصحفي السعودي المُغتال جمال خاشقجي، نسعى لبذل جهدنا في تحديد الجناة، والتأكد من أنهم لن ينعموا بالراحة أبداً، وأن يوم مثولهم أمام القضاء قد يأتي عاجلاً غير آجل.

بعد مرور سبع سنوات على مذبحة رابعة، بدأنا نشهد بعض العدالة للضحايا. ونحن في منظمة الديمقراطية من أجل العالم العربي (DAWN)، سنحرص على تحقيق المزيد من العدالة لهم.

سارة ليا ويتسن هي المديرة الحالية لمنظمة الديمقراطية من أجل العالم العربي **     

 

READ THIS ARTICLE IN ENGLISH 

The Rabaa Massacre: Seven Years Later, a Measure of Justice for Egypt’s Victims

READ ALSO

Egypt’s Dark Legacy: Rabaa Massacre and Muslim Brotherhood Repression